يرى الكاتب ماهدر نسيبو أن الحرب الأهلية الدامية في السودان، التي تدخل عامها الرابع، تتغذى بصورة متزايدة على تنافس قوى إقليمية متوسطة تسعى إلى استغلال الثروات الاستراتيجية الهائلة التي تزخر بها البلاد، من الذهب وساحل البحر الأحمر الحيوي إلى الإمكانات الزراعية الكبيرة، مستفيدة كذلك من موقع السودان كحلقة وصل جيوسياسية بين منطقة الساحل والقرن الأفريقي وحوض النيل.
ونشر موقع بولس أوف أفريكا المقال الذي تناول الدور المصري في الحرب السودانية، والعوامل الاستراتيجية والاقتصادية التي تقف وراء دعم القاهرة للجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وانعكاسات ذلك على العلاقة بين السودان وإثيوبيا وفرص إنهاء الحرب.
مصر والسودان.. نفوذ يتجاوز الحرب
يشير نسيبو إلى أن السودان، باعتباره دولة أخرى ضمن حوض النيل، يحتل موقعًا بالغ الأهمية، إذ تقع الخرطوم عند ملتقى النيل الأزرق، القادم من إثيوبيا، والنيل الأبيض الذي تمتد منابعه إلى مناطق بعيدة مثل بوروندي.
وتبرز مصر بين القوى الإقليمية المنخرطة في المشهد السوداني، بعدما دعمت أحد طرفي الحرب، في ظل اعتبارات متعددة يأتي في مقدمتها، وفق المقال، التنافس المصري الإثيوبي. وقد حوّل هذا التنافس السودان إلى ساحة يمكن أن تمتد عبرها حالة عدم الاستقرار إلى مناطق أخرى في القرن الأفريقي.
ويرى الكاتب أن التنافس الجيوسياسي المتصاعد في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي أسهم في إطالة أمد الصراع السوداني، بينما بقي التوصل إلى وقف لإطلاق النار، فضلًا عن تسوية سياسية شاملة، بعيد المنال.
واندلعت الحرب في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، عقب صراع على السلطة بين المؤسستين العسكريتين اللتين استحوذتا على المشهد السياسي بعد الإطاحة بنظام عمر البشير في أعقاب ثورة 2019.
ووفق نسيبو، قدمت مصر دعمًا ماديًا للقوات المسلحة السودانية، شمل دعمًا لوجستيًا، كما أشار تحقيق نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» في فبراير الماضي إلى تنفيذ ضربات جوية مباشرة باستخدام طائرات مسيّرة ومقاتلات ضد قوات الدعم السريع. وبالتوازي مع الدعم العسكري، دعمت القاهرة البرهان دبلوماسيًا وسعت إلى ترسيخ شرعيته باعتباره ممثل الدولة السودانية في مسارات السلام التي شاركت فيها الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية «إيغاد».
الذهب والنيل.. المصالح الاقتصادية والاستراتيجية
لا يقتصر الدور المصري في السودان على الحسابات العسكرية والسياسية، إذ يشكل الذهب السوداني أحد أبرز المصالح الاقتصادية المرتبطة بالحرب. ويشير المقال إلى أن مصر أصبحت مركزًا رئيسيًا لتجارة الذهب السوداني، فيما كشف تحقيق نشرته صحيفة «العربي الجديد» في أغسطس عن استغلال الذهب السوداني عبر شركة مصرية.
وأظهرت بيانات الشركة، بحسب المقال، ارتفاع ربحية الذهب السوداني بالنسبة إلى القاهرة منذ اندلاع الحرب، إذ بلغت الكمية التي وصلت إلى مصر خلال عام 2025 نحو 4.9 أطنان، بقيمة وصلت إلى 517 مليون دولار.
ويرى نسيبو أن الذهب يمثل جانبًا اقتصاديًا من مشروع أوسع لاستعادة النفوذ المصري في السودان. فقد خضع السودان تاريخيًا للإدارة المصرية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، في وقت كانت مصر نفسها تحت الحكم العثماني ثم البريطاني، وهو ما أوجد علاقة غير متكافئة استمر تأثيرها بعد استقلال السودان، ووصفها المفكر السوداني الدكتور النور حمد بأنها علاقة ذات طابع استعماري جديد.
لكن العلاقة شهدت تحولًا واضحًا خلال عهد عمر البشير، الذي اتبع سياسة خارجية أكثر استقلالًا عن القاهرة، وسعى إلى مواءمة سياسات الخرطوم بدرجة أكبر مع المصالح السودانية، وظهر ذلك بصورة خاصة في ملف مياه النيل والعلاقة مع إثيوبيا.
ومع تعثر الانتقال الديمقراطي وانخراط الجيش وقوات الدعم السريع في صراع على السلطة، استفادت مصر من الاضطراب لإعادة بناء نفوذها في الخرطوم. وبدأ هذا المسار قبل اندلاع الحرب، مع ازدياد اعتماد الجيش السوداني على الموارد والدعم المصريين، بحسب ما أشار إليه جوناس هورنر وأحمد سليمان في تحليل نشره معهد «تشاتام هاوس».
ويرى المقال أن سيطرة القوات المسلحة السودانية على الدولة تمنح مصر فرصة لاستعادة نفوذها السابق، خصوصًا في ملف مياه النيل. وتستند القاهرة في جانب من مطالبها المائية إلى اتفاقيتي 1929 و1959، اللتين تحددان حصص مياه النيل، وتعتمد شرعية ترتيباتهما بدرجة كبيرة على توقيع السودان.
كما شهد موقف الخرطوم من سد النهضة الإثيوبي «GERD» تغيرات متباينة خلال فترة تشييده بين عامي 2011 و2025. فبينما نظر البشير إلى السد من زاوية فنية، معتبرًا أن فوائده قد تشمل الحد من الفيضانات وتقليل الترسبات التي تكلف السودان مبالغ كبيرة لإزالتها من الأراضي الزراعية، اتجه البرهان لاحقًا إلى تبني موقف أقرب إلى الرؤية المصرية.
وبحسب الكاتب، ساهم هذا التحول في تعزيز الرواية المصرية التي تعتبر سد النهضة مصدر ضرر لمصر والسودان، كما أضعف فرص التوصل إلى توافق أوسع داخل حوض النيل يمكن أن يعيد صياغة موازين النفوذ المصرية.
التقارب المصري السوداني يفاقم التوتر مع إثيوبيا
يتجاوز أثر التقارب بين القاهرة والبرهان ملف المياه، إذ يدفع اعتماد القيادة العسكرية السودانية على الدعم المصري في الحرب الخرطوم بصورة متزايدة إلى موقف أكثر عداءً تجاه إثيوبيا.
ويتعاون الجيش السوداني حاليًا مع إريتريا، وهي الأخرى من شركاء مصر الإقليميين، في إطار وصفته وزارة الخارجية الإثيوبية بأنه استراتيجية لـ«التطويق». وأدى ذلك إلى تدهور كبير في العلاقات بين أديس أبابا والخرطوم، وهو تدهور يكتسب أهمية خاصة نظرًا إلى الثقل الإقليمي للبلدين في منطقة القرن الأفريقي.
ويحذر المقال من أن تدهور العلاقات السودانية الإثيوبية لا يزيد التوتر الإقليمي فحسب، بل يضر أيضًا بفرص إحلال السلام داخل السودان. فقد لعبت إثيوبيا دورًا مهمًا في دعم الثورة السودانية عام 2019 والمساعدة في رسم مسار نحو حكم مدني وديمقراطي، قبل أن تتراجع مشاركتها في جهود إنهاء الحرب.
وبحسب نسيبو، أدى تهميش إثيوبيا في جهود الوساطة إلى خسارة السودان طرفًا إقليميًا كان لديه مصلحة مباشرة في تحقيق السلام، في وقت تتداخل فيه الحرب السودانية مع تنافس أوسع على النفوذ والموارد والمياه في منطقة القرن الأفريقي.
يطرح المقال سؤالًا يتجاوز حدود الدعم المصري لأحد طرفي الحرب: هل تسعى القاهرة بالفعل إلى حماية مصالحها الاستراتيجية وصنع السلام في السودان، أم تستغل الصراع لإعادة بناء نفوذها التاريخي في الخرطوم وترسيخ موقفها في مواجهة إثيوبيا؟ ويشير مسار الحرب والعلاقات الإقليمية إلى أن الإجابة تحمل أبعادًا سياسية واقتصادية ومائية تتجاوز حدود السودان نفسه.
https://pulseofafrica.info/news/5111

